عندما يغادرنا الكبار
- لا يكون الرحيل مجرد خبر عابر، ولا حدثًا يُطوى مع مرور الأيام، بل هو زلزال صامت يهزّ فينا أشياء عميقة لا تُرى، ويترك فراغًا لا يُملأ بسهولة. يغادرون في هدوء، لكن صداهم يبقى عاليًا في الذاكرة، في المواقف، في الكلمات التي قالوها يومًا، وفي القيم التي زرعوها دون ضجيج.
برحيل القاضي الجليل الحسن البكري، نفقد قامة من قامات العدل، ورجلًا كان يحمل في صمته وقاره، وفي أحكامه ميزانًا لا يميل. لم يكن مجرد قاضٍ يفصل في النزاعات، بل كان ضميرًا حيًا داخل مؤسسة محكمة النقض ونموذجًا يُحتذى في النزاهة والاستقامة، ومرآة تعكس الوجه الحقيقي للعدالة حين تكون نزيهة وصادقة.
لقد كان الفقيد ممن آمنوا بأن القضاء رسالة قبل أن يكون وظيفة، وأن الكلمة التي تُقال في قاعة المحكمة قد تغيّر مصائر، وتبني ثقة، أو تهدمها. لذلك كان حريصًا على أن تكون كلماته موزونة، عادلة، لا تخضع لضغط ولا تنحني لإغراء. عاش مستقيمًا، وظل ثابتًا على مواقفه، لا تزعزعه الظروف ولا تُبدّل مبادئه.
ولم يقتصر عطاؤه على منصة القضاء فحسب، بل امتد إلى الحقل الأكاديمي والفكري، حيث أغنى الخزانة القانونية بعشرات المؤلفات والدراسات الرصينة التي شكلت مرجعًا للباحثين والمهتمين، وأسهمت في تطوير النقاش القانوني وتعميق الفهم القضائي. كما أشرف على عشرات رسائل الدكتوراه، موجّهًا أجيالًا من الباحثين، وناقلًا إليهم خبرته الواسعة وروحه العلمية الصارمة، فكان أستاذًا كما كان قاضيًا، ومربيًا كما كان حَكَمًا بين الناس.
عرفه زملاؤه رجلًا هادئًا، قليل الكلام، عميق التفكير، يزن الأمور بعقل راجح وقلب منصف. وكان حضوره وحده كافيًا ليبعث الطمأنينة في النفوس، لأن الجميع يعلم أن العدل في حضرته لا يُساوَم. لم يكن يسعى إلى الأضواء، ولم يطلب مجدًا شخصيًا، بل كان يعمل بصمت، ويترك أثره يتحدث عنه.
وفي زمن تتغير فيه المعايير وتختلط فيه القيم، كان الراحل من أولئك الذين يتمسكون بثوابتهم، كأنهم أوتاد في الأرض، لا تميل بهم الرياح. لذلك فإن فقدانه ليس خسارة لأسرته فقط، ولا لزملائه فحسب، بل هو خسارة لروح من أرواح العدالة التي كنا نحتاجها وتستند إليها الثقة العامة.
رحيل الكبار يعلّمنا درسًا قاسيًا: أن الزمن لا يحتفظ بأحد، وأن ما يبقى في النهاية هو الأثر. والحسن البكري ترك أثرًا طيبًا، وسيرة عطرة، وذكرًا حسنًا بين الناس، وهو أعظم ما يمكن أن يورثه الإنسان بعد رحيله.
رحم الله الفقيد رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه من عدل وعلم وإنصاف في ميزان حسناته، وجزاه عن كل موقف صادق، وكل كلمة حق، وعن كل علمٍ نافعٍ تركه للأجيال، خير الجزاء.
وألهم أهله وذويه وزملاءه وتلامذته الصبر والسلوان، وربط على قلوب

