حين اجتمع مجد القلم ووهج الراية… الملاك الأزرق يحتفل بنشوتين في ليلة لا تُنسى

ليست كل الليالي سواء، فثمة ليالٍ تُكتب بماء الفخر، وتُحفظ في ذاكرة المكان كما تُحفظ القصائد الجميلة في ذاكرة الزمن. وكان مساء السبت 5 يوليوز 2026 من تلك الليالي التي لا تمر عابرة في مؤسسة الملاك الأزرق، بل تستقر في وجدانها عنوانًا للتميز، وعلامة مضيئة في مسيرتها التربوية.

منذ اللحظات الأولى، كان الفضاء يحتشد بالفرح. وجوه مشرقة، وقلوب تنبض بالامتنان، وآباء وأمهات يحملون في عيونهم حصاد سنوات من الصبر، وأطر تربوية وإدارية ترى في نجاح تلامذتها أجمل مكافأة لمسيرة العطاء. كانت الأرواح تتزين بالفخر قبل أن تتزين القاعة بالأضواء والورود.

وفي كلمته، لم يتحدث السيد محمد الشرايبي، المدير العام للمؤسسة، عن أرقام جامدة، بل عن حكاية نجاح تتجدد كل عام، وعن شجرة طيبة تضرب جذورها في قيم الاجتهاد، فلا تثمر إلا تفوقًا وإبداعًا. واستحضر محطات مشرقة من تاريخ المؤسسة، من عمر الحريري إلى جنات فارس، وصولًا إلى إناس المعتز بالله التي تشرفت بتلقي تهنئة صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، مؤكداً أن الملاك الأزرق لا يصنع المتفوقين صدفة، بل يصنعهم بإيمان عميق بأن العلم هو الطريق الأقصر إلى المجد.

ثم جاء موسم 2026 ليضيف صفحة جديدة إلى هذا السجل الوضاء، بعدما حلق التلميذ واحمان أحمد أمين عاليًا، محرزًا المرتبة الأولى وطنياً في شعبة العلوم الرياضية (أ) بمعدل 19.39، فيما أبدعت التلميذة ملاك الطاهري في شعبة العلوم الفيزيائية بمعدل 19.36 في الامتحان الوطني، وكأن المؤسسة تعلن، مرة أخرى، أن سقف أحلامها لا تحده السماء.

ولم تكن نسب النجاح سوى ترجمة رقمية لحكاية أكبر؛ 98.12 في المائة نجاحًا في الباكالوريا، و86.5 في المائة من الميزات، ونجاح كامل في امتحانات الثالثة إعدادي والسادسة ابتدائي، لتؤكد أن التميز هنا ليس حدثًا عابرًا، بل ثقافة راسخة، تتوارثها الأجيال كما تتوارث الأشجار العريقة خصوبة الأرض.

ولأن النجاح لا يُصنع بيد واحدة، جاء صوت السيد مصطفى الناسي، الكاتب العام لجمعية آباء وأمهات وأولياء التلاميذ، محمّلًا بعبارات الوفاء لكل من أسهم في هذه المسيرة؛ للتلاميذ الذين آمنوا بأحلامهم، وللأساتذة الذين زرعوا المعرفة بحب وإخلاص، وللآباء والأمهات الذين كانوا السند الصامت، يصنعون من الدعاء والاحتضان جسورًا تعبر عليها أبناؤهم نحو منصات التفوق، مؤكداً أن الجمعية ستظل شريكًا وفيًا في كل خطوة تقود إلى مزيد من الإشعاع.

أما التلميذة أميمة أمغار، ممثلة المجلس التلاميذي، فقد تحدثت بلسان جيل اعتاد أن يرى منصات التتويج محطات طبيعية في رحلته، مؤكدة أن ما يتحقق اليوم ليس سوى ثمرة للجد والاجتهاد والالتزام بالقيم، وأن النجاح الحقيقي لا يُقاس بالنقط وحدها، بل بما يبنيه الإنسان في داخله من أخلاق ومسؤولية وحب للوطن.

وتتابعت لحظات التكريم، فتقدمت الجوائز نحو أصحابها كما تتقدم الأوسمة إلى مستحقيها، وتزينت الأيادي بالتذكارات، بينما كانت الابتسامات هي الجائزة الأكبر التي ارتسمت على الوجوه جميعها.

لكن القدر الجميل كان قد ادخر للحاضرين مفاجأة أخرى…

فعندما اجتمع الجميع أمام الشاشة العملاقة لمتابعة مباراة المنتخب المغربي أمام نظيره الكندي في كأس العالم، تحول الحفل إلى مدرج وطني كبير، تخفق فيه القلوب بإيقاع واحد، وترتفع فيه الأعلام كما ترتفع الأمنيات. وما إن أعلن الحكم نهاية اللقاء بتأهل أسود الأطلس إلى ربع نهائي كأس العالم، حتى انفجرت القاعة فرحًا، وتعانقت الزغاريد مع الهتافات، واختلطت دموع الفخر بابتسامات الانتصار، وتعالت الأصوات مرددة: “سر… سر… سر… ديما مغرب… ديما مغرب.”

في تلك اللحظة، لم يعد أحد يميز بين فرحة التلميذ بنجاحه، وفرحة الوطن بانتصار منتخبه؛ فقد امتزج المجدان في لوحة واحدة، واجتمع العلم والراية في موعد مع الفرح.

وهكذا، أسدل الستار على ليلة استثنائية، عاشت فيها مؤسسة الملاك الأزرق نشوتين متعانقتين: نشوة العقول وهي تجني ثمار الاجتهاد، ونشوة القلوب وهي تحتفي براية المغرب ترفرف عالية في سماء العالم. وكانت الرسالة الأبلغ التي خرج بها الجميع أن الأمم التي تنتصر في ملاعبها، هي ذاتها التي تنتصر أولًا في مدارسها، وأن الأوطان العظيمة تبدأ دائمًا من قسم دراسي، ومن أستاذ مخلص، ومن تلميذ آمن بأن الحلم يستحق أن يُعاش.


Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *